النويري

40

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأمّا تشبيه المعقول بالمحسوس فهو كقوله تعالى : * ( مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِه الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ) * . وأما تشبيه المحسوس بالمعقول فهو غير جائز ، لأن العلوم العقليّة مستفادة من الحواسّ ومنتهية إليها ، ولذلك قيل : من فقد حسّا فقد علما ، فإذا كان المحسوس أصلا للمعقول فتشبيه به يكون جعلا للفرع أصلا والأصل فرعا ولذلك لو حاول محاول المبالغة في وصف الشمس بالظهور والمسك بالثناء « 1 » فقال : الشمس كالحجّة في الظَّهور ، والمسك كالثّناء في الطَّيب ، كان ذلك سخفا من القول فأمّا ما جاء في الشعر من تشبيه المحسوس بالمعقول فوجهه أن يقدّر المعقول محسوسا ، ويجعل كالأصل « 2 » المحسوس على طريق المبالغة ، فيصحّ التشبيه حينئذ وذلك كما قال الشاعر : وكأنّ النجوم بين دجاها سنن لاح بينهنّ ابتداع فإنّه لما شاع وصف السنّة بالبياض والإشراق ، واشتهرت البدعة وكلّ ما ليس بحقّ بالظلمة « 3 » تخيّل الشاعر أن السنن كأنها من الأجناس التي لها إشراق ونور ، وأن البدع نوع من الأنواع الَّتى لها اختصاص بالسواد والظلمة ، فصار ذلك كتشبيه محسوس بمحسوس ، فجاز له التشبيه ، وهو لا يتمّ إلا بتخييل ما ليس بمتلوّن [ متلوّنا « 4 » ] ثم يتخيّله أصلا فيشبّه به ، وهذا هو الَّذى تؤوّل في قول أبى طالب الرّقّىّ :

--> « 1 » كذا في الأصل وفى حسن التوسل . وهو غير مستقيم كما لا يخفى ، ولعل صواب العبارة : « والمسك بالطيب » فإن المسك إنما يوصف به لا بالثناء ، وفى الجملة قبلها وفى ما يأتي من التمثيل ما يؤيده . « 2 » في الأصل : « ويجعل المعقول محسوسا » وهو مكرر مع ما قبله ، وتصويب العبارة عن حسن التوسل . « 3 » في الأصل : « كالظلمة » وهو تحريف ، والتصويب عن حسن التوسل . « 4 » الزيادة عن حسن التوسل ، ولا يتم المعنى بدونها .